عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

134

اللباب في علوم الكتاب

الثاني : أن التّسريح بالإحسان : أن يترك مراجعتها حتى تبين بانقضاء العدّة ، وهو مرويّ عن الضّحّاك والسّدّيّ « 1 » . قال ابن الخطيب « 2 » : وهو أقرب لوجوه : أحدها : أن « الفاء » في قوله : « فَإِنْ طَلَّقَها » تقتضي وقوع هذه الطّلقة متأخّرة عن ذلك التّسريح ، فلو كان المراد بالتّسريح هو الطّلقة الثّالثة ، لكان قوله : فإن طلّقها طلقة رابعة ؛ وهو لا يجوز . وثانيها : أنّا إذا حملنا التّسريح على ترك المراجعة ، كانت الآية متناولة لجميع الأحوال ؛ لأنّه بعد الطّلقة الثّانية إمّا أن يراجعها وهو المراد بقوله : « فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ » أو لا يراجعها ، بل يتركها حتى تنقضي عدّتها وتبين ، وهو المراد بقوله : « أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » أو يطلّقها وهو المراد بقوله : « فَإِنْ طَلَّقَها » ، فكانت الآية مشتملة على بيان كلّ الأقسام ، وإذا جعلنا التّسريح بالإحسان طلاقا آخر لزم ترك أحد الأقسام الثّلاثة ، ولزم التكرير في ذكر الطّلاق ، وهو غير جائز . وثالثها : أنّ ظاهر التّسريح هو الإرسال والإهمال ، فحمله على ترك المراجعة أولى من حمله على التّطليق . ورابعها : أنّه قال بعد ذلك التّسريح : « ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا » والمراد به الخلع ، ومعلوم أنه لا يصحّ الخلع بعد التّطليقة الثّالثة ، فهذه الوجوه ظاهرة ، لو لم يثبت الخبر الّذي رويناه ، فإن صحّ ذلك الخبر ، فلا مزيد عليه . فصل في الحكمة في الرّجعة والحكمة في إثبات حقّ الرّجعة : أن الإنسان إذا كان مع صاحبه ، لا يدري هل تشقّ عليه مفارقته أم لا ؟ فإذا فارقه بعد ذلك يظهر ، فلو جعل اللّه الطّلقة الواحدة مانعة من الرّجوع ، لعظمت المشقّة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبّة بعد المفارقة مرّتين ، وعند ذلك تحصل التّجربة ، فإن كان الأصلح الإمساك ، راجعها وأمسكها بالمعروف ، وإن كان الأصلح التّسريح ، سرّحها بإحسان . فصل [ في اختلاف العلماء إذا كان أحد الزوجين رقيقا ] واختلف العلماء إذا كان أحد الزّوجين رقيقا :

--> المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي رزين الأسدي . وللحديث شاهد عن أنس بن مالك : أخرجه البيهقي ( 7 / 340 ) وابن مردويه كما في « الدر المنثور » ( 1 / 495 ) . ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 541 - 542 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 84 .